أبي منصور الماتريدي
53
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
المبحث الأول عناصر السكان في الدولة العباسية في عصر الماتريدي تنوع سكان الدولة العباسية تنوعا كبيرا ، واختلفت عناصرهم وطبقاتهم أشد ما يكون الاختلاف ، وانصهرت جميعها في بوتقة المجتمع العربي الإسلامي في العصر العباسي . وهذه العناصر هي : 1 - العنصر العربي : وقد أفاضت الدولة الأموية على العرب تميزا في المكانة الاجتماعية والاقتصادية ، حيث آثرتهم بالمناصب السياسية وقصرتها عليهم ، ونظرت بعين الازدراء للعناصر الأخرى ، وحرمتها من المشاركة السياسية الفاعلة . أما الدولة العباسية فقامت على أكتاف الموالي من الفرس ، وبرزت إلى الوجود بفضل مناصرتهم وتأييدهم ، فلا غرو أن قدمهم العباسيون وآثروهم بالمناصب وأجروا عليهم الأعطيات السخية ، وفي المقابل تأخر العرب وصارت منزلتهم دون منزلة الفرس بكثير ، وحسبك دليلا على صحة ذلك أن المعتصم « 218 - 225 ه » أخرج العرب من ديوان العطاء . ولقد عبر الجاحظ عن هذه الحالة في عبارة موجزة فقال : « دولة بني العباس أعجمية خراسانية ، ودولة بني مروان عربية أعرابية » . 2 - العنصر الفارسي : وقد أشرنا قبل قليل إلى تميز مكانة الفرس لدى الخلفاء العباسيين ، فأسندوا إليهم المناصب الهامة ، واعتمدوا عليهم اعتمادا كبيرا في تصريف شؤون دولتهم . وتخبرنا المصادر التاريخية أن أول من استعملهم هو الخليفة أبو جعفر المنصور ، فاستن بسنته في استعمالهم الخلفاء العباسيون من بعده حتى بلغ نفوذهم ذروته في عهد هارون الرشيد ، فكان مدبر أمر دولته آل برمك وأصولهم ساسانية . وكذلك انتصر المأمون للفرس وأدناهم إليه واعتمد عليهم في حرب أخيه الأمين ، فلما انتصر على أخيه وآل أمر الملك إليه بفضل نصرة الفرس له قربهم أكثر ، فازدادوا نفوذا وتدخلا في شؤون الخلافة العباسية .